ابو القاسم عبد الكريم القشيري

59

لطائف الإشارات

« سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ » : الأولى في الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض ، ولا يحصل لهم عليها في الآخرة عوض ولا أجر ولا مسرّة ، والثانية عذاب القبر . وقيل المرة الأولى بقبض أرواحهم ، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يمتحنون بالعذاب الأكبر . ويقال المرة الأولى ظنّهم نهم على شئ ، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 102 ] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) إن اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم . والإقرار توكيد الحقوق فيما بين الخلق في مشاهد الحكم ، ولكن الإقرار بحق اللّه - سبحانه - يوجب إسقاط الجرم في مقتضى سنّة كرم الحقّ - سبحانه ، وفي معناه أنشدوا : قيل لي : قد أساء فيك فلان * وسكوت الفتى على الضيم عار قلت : قد جاءني فأحسن عذرا * دية الذّنب عندنا الاعتذار « خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً » : ففي قوله « وَآخَرَ سَيِّئاً » بعد قوله « صالِحاً » دليل على أن الزّلّة لا تحبط ثواب الطاعة ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العمل صالحا . وكذلك قوله : « عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » : وعسى تفيد أنه لا يجب على اللّه شئ فقد يتوب وقد لا يتوب . ولأنّ قوله صدق . . فإذا أخبر أنّه يجيب فإنه يفعل ، فيجب منه لا يجب عليه « 1 » . ويقال قوله : « خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً » : يحتمل معناه أنهم يتوبون ؛ فالتوبة عمل صالح . وقوله : « وَآخَرَ سَيِّئاً » : يحتمل أنه نقضهم التوبة ، فتكون الإشارة في قوله : « عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زلّتهم فواجب منّا أن

--> ( 1 ) واضح حرص القشيري على مقاومة المعتزلة فيما يتصل بنفي اى وجوب على اللّه فقد جلت الصمدية عن ذلك ، وإن كان يرى أنه يجب منه - سبحانه - الفضل .